ابن أبي الحديد
58
شرح نهج البلاغة
كل واحد مع إلفه ، ثم صادفت عمر تلك الليلة في مسيرنا ، فحادثته ، فشكى إلي تخلف علي عنه . فقلت : ألم يعتذر إليك ؟ قال : بلى ، فقلت : هو ما اعتذر به ، قال : يا بن عباس ، إن أول من ريثكم عن هذا الامر أبو بكر ، إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة ، قلت : لم ذاك يا أمير المؤمنين ؟ ألم ننلهم خيرا ؟ قال : بلى ، ولكنهم لو فعلوا لكنتم عليهم جحفا جحفا ( 1 ) . قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد ، قال : حدثنا عبد العزيز بن الخطاب ، قال : حدثنا علي بن هشام ، مرفوعا إلى عاصم بن عمرو بن قتادة ، قال : لقي علي ع عمر ، فقال له علي ع : أنشدك الله ! هل أستخلفك رسول الله ص ؟ قال : لا ، قال : فكيف تصنع أنت وصاحبك ؟ قال : أما صاحبي فقد مضى لسبيله ، وأما أنا فسأخلعها من عنقي إلى عنقك ، فقال : جدع الله أنف من ينقذك منها ! لا ولكن جعلني الله علما ، فإذا قمت فمن خالفني ضل . قال أبو بكر : وأخبرنا أبو زيد ، عن هارون بن عمر ، عن محمد بن سعيد بن الفضل عن أبيه ، عن الحارث بن كعب ، عن عبد الله بن أبي أوفى الخزاعي ، قال : كان خالد ابن سعيد بن العاص من عمال رسول الله ص على اليمن ، فلما قبض رسول الله ص جاء المدينة ، وقد بايع الناس أبا بكر ، فاحتبس عن أبي بكر فلم يبايعه أياما ، وقد بايع الناس ، وأتى بني هاشم ، فقال : أنتم الظهر والبطن والشعار دون الدثار ( 2 ) ، والعصا دون اللحا ( 3 ) ، فإذا رضيتم رضينا ، وإذا أسخطتم سخطنا . حدثوني إن كنتم قد بايعتم هذا الرجل ! قالوا : نعم ، قال :
--> ( 1 ) جحفا ، جحفا ، أي فخرا فخرا وشرفا شرفا . النهاية لابن الأثير 1 : 145 . ( 2 ) الشعار : ما يلي شعر الجسد ، وهو تحت الدثار . ( 3 ) اللحاء : ما على العصا من قشرها ، يمد ويقصر ، وفي خطبة الحجاج : لألحونكم لحو العصا .